تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إقرار قانون الملكية الفكرية: خطوة أساسية على طريق دولة القانون

"احترام الملكية الفكرية باعث على الإبداع"

                                                                                     كوبينور

 

ضمن زيارة لرابطة كوبينور (الرابطة النرويجية لحقوق الملكية الفكرية)، في أوسلو، في إطار حلقة بحث عقدت في العاصمة النرويجية، حول الترجمة من العربية إلى الاسكندنافية، ومن الاسكندنافية إلى العربية، خلال الفترة 11-13 أغسطس 2005، بتعاون ما بين اتحاد المترجمين  النرويجيين، ومركز أوغاريت للنشر والترجمة في رام الله؛ وبحضور اتحادات الكتاب في النرويج، أثيرت القضية التي تتعلق بإلحاحية قانون الملكية الفكرية، وأهميته في حفظ حقوق الكتاب والمؤلفين، في كافة مجالات المعرفة؛ الأمر الذي أثار نقاشاً فلسطينياً، حول مدى أهمية هذا القانون، ضمن الواقع الفلسطيني، شديد الخصوصية. وجرى تساؤل حول الأولويات: هل نشجع القراءة، في ظل الأحوال الاقتصادية المتردية، التي يعيشها الشعب الفلسطيني، حتى لو كان ذلك يعني تصوير كتاب بدلاً من شرائه؟ وهل هناك أهمية للضغط في اتجاه إقرار مثل هذا القانون، في وقت نحن أحوج فيه، إلى إقرار قوانين أكثر إلحاحاً، تتعلق بتنظيم حياتنا اليومية، ومتطلبات بناء أركان دولتنا، وفي الوقت الذي ما زال الاحتلال يجثم فوق أنفاسنا، ويسيطر على سمائنا وأرضنا وبحرنا؟

تلاحقت الأسئلة وتشابكت، ووجدتني أتأمل ما يربط بين هذه الموضوعات. وجدتني أتأمل حال كتابنا العرب بشكل عام، وكتابنا الفلسطينيين بشكل خاص؛ حيث فقر الإنتاج، وتواضعه، ومحدوديته، بالمقارنة مع كتاب العالم؛ حيث غزارة الإنتاج، وتنوعه، وانتشاره. ووجدتني أنظر إلى موضوع الحقوق بشكل شمولي، وأتساءل عما إذا كان هناك فارق، ما بين إحساس الفرد بأن له حقوقا يكفلها القانون، وإحساسه بأن حقوقه مهدورة مستباحة؟ ألا يدفعه الإحساس بحماية حقوقه، إلى الإبداع، والابتكار، والإنتاج بشكل أفضل؟ ثم كيف يبدع الكتاب، والمترجمون، والفنانون التشكيليون، والصحفييون، والموسيقيون، والمصورون الفوتوغرافيون، والمحرِّرون، وفنانو المسرح، والإعلاميون، نساء ورجالاً؟ وضمن أية ظروف؟ هل يجدون الوقت للإبداع؟ وإذا وجدوا: هل من مقدر للإبداع والفكر؟

سمعنا حديثاً تفصيلياً حول عمل رابطة كوبينور، التي تأسست العام 1980م، والتي فتحت باب العضوية لأية رابطة أو منظمة، تمثل مجموعة من مالكي حقوق النشر، حيث تطور عملها، وأصبحت تضم 21 منظمة عضواً، وخمس روابط نشر، وست عشرة رابطة للكتاب. كما أن كوبينور هي عضو بدورها، في اتحاد عالمي للمنظمات العاملة في نفس الحقل (IFRRO)   (International Federation of Reproduction Rights Organizations)، والتي تربط معاً كل المنظمات الوطنية، والإقليمية، والروابط العالمية لحقوق الملكية الفكرية، حيث تضم هذه المنظمة حالياً ثلاثا وثمانين رابطة كأعضاء، وثماني وخمسين رابطة كأعضاء مشاركين.

تضم كوبينور: الاتحادات والروابط الخاصة بالفئات لتالية: المحرِّرين النرويجيين، الكتاب، الفنانين التشكيليين، المؤلفين الموسيقيين، المترجمين للأدب، الفنون والحرف اليدوية، النشر الموسيقي، واتحاد الصحفيين، كتاب الأطفال، النقاد، الناشرين، المصورين المهنيين، المصورين للأعمال الفنية، المسرحيين. وتعتقد كوبينور، أن النسخ غير القانوني، تهديد لحرية تدفق المعلومات، وأن احترام الملكية الفكرية، يشجع على الإبداع، وأن هناك ضرورة وأهمية كبيرة لتوفير قاعدة تمويلية للإبداع؛ لذا تعنى كوبينور أساساً، بتقديم رخص لتصوير الأعمال المنشورة، لضمان حقوق الكتاب، باتفاق مع الروابط في بلاد أخرى، وتقوم بالتفاوض، وتعقد الاتفاقيات لحقوق التصوير، وكل ما يشبه ذلك من حقوق، في جميع مناحي الحياة، باسم أعضائها.

وقد عقدت كوبينور اتفاقيات لتصوير الوثائق والكتب، مع كل من: المدارس الحكومية والخاصة، والجامعات والمعاهد، والإدارات الحكومية، والمحاكم والبرلمان، والكنائس والمؤسسات الدينية، بالإضافة إلى العديد من الشركات الخاصة، والمنظمات المهنية الصناعية. وتسمح المعاهدات التي توقع عليها كوبينور، بالتصوير داخل المعهد أو المنظمة، ولكن ليس للاستخدام العام، أو البيع. وهناك نقطة في غاية الأهمية بالنسبة للاتفاق: يسمح للمستخدم على سبيل المثال، بمساحة معينة من الكتاب، وبالنسبة للجامعات، يسمح لها بنسخ 15% من المادة المنشورة، أو فصل واحد من الكتاب المقرر، الذي ما يزال موجوداً في المكتبات العامة، ويسمح التصوير من المجلات والصحف دون حدود، ما دامت تدفع الرسوم لأصحاب الحقوق. أما الاتفاقيات المتعلقة بالموسيقا، فهي أكثر تشدداً.  وتجمع كوبينور اليوم حوالي 80% من حقوق الطبع، وتحمي حقوق التصوير في النرويج. كما تهدف ضمن رؤيتها لامتداد عملها، إلى التفاوض، وعقد الاتفاقيات، حول الإنتاج الرقمي في المكتبات والمعاهد التعليمية.

                                              *****

أدهشني وأعجبني ذلك التناغم الرائع، ما بين الفرد والمؤسسة، من خلال عمل كوبينور، وأحسست بقيمة العمل الجماعي، والعمل المؤسسي الذي يحمي حقوق الأفراد، حيث يعمل الناس من خلال مؤسسات أو روابط أو منظمات، تحمي حقوقهم، وتدافع عن مصالحهم، ويجري تبادل للمنفعة ما بينها وبينهم. وهنا يجدر التفريق ما بين الفردية، التي تسعى للسيطرة، والولاء العشائري للجماعة، وبين المحافظة على مصلحة الفرد، الذي يسعى لانتماء حر وطوعي للجماعة، عبر منظمة أو رابطة، تمثل احتياجاته، وتحمي حقوقه.

أدركت مدى احتياجنا إلى الإطلال على تجارب العالم، ومعرفة تفاصيل هذه التجارب في مجال البناء المؤسسي، في ظل رغبتنا واحتياجنا، إلى مقومات دولة عصرية ديمقراطية حرة، تنبذ العصبية القبلية، والعشائرية، والهرولة لاقتناص الفرص، وتشجع التنافس الديمقراطي الحر، لتداول السلطة، وبناء المؤسسة، واحترام القانون، وتستفيد من جيوش العاطلين عن العمل، والكفاءات، ولا تكتفي بتشجيع الإبداع؛ بل تقدره، وتهيّئ له البيئة المناسبة، الأمر الذي يساهم في تقدم مجالات المعرفة كافة.

                                           *****

كلمة إلى المجلس التشريعي الفلسطيني:

إذا نظرنا إلى الملكية الفكرية كضرورة، لتطور الصناعة الثقافية في فلسطين. وللصناعات الثقافية كوسيلة، لتحقيق الرفاهية الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، للدولة الفلسطينية، التي نسعى إلى بنائها؛ وإذا عرفنا أن الصناعات الثقافية، تساهم بحوالي 5% من معدل الدخل القومي، في معظم الدول المتطورة؛ وإذا كانت كل دولة تحتاج إلى قانون عصري، يحمي الملكية الفكرية، من أجل تطور صناعتها الثقافية؛ فأين قانون الملكية الفكرية الفلسطيني؟ متى تنفضون الغبار عن مسودة القانون، وتخرجونه من أدراج المجلس، للنظر فيه، ومناقشته، ثم إقراره؟